مؤسسة البصر بالسودان واستشراف المستقبل
د. خالد يوسف بكري
في خضم الأزمات والحروب، تختبر المؤسسات مدى صلابتها، ومدى قدرتها على الصمود والتكيف، فالمؤسسات ليست فقط هياكل إدارية، بل هي القلب النابض تحفظ وتؤسس لمرحلة ما بعد الأزمة، ولقد كشفت فترة الحرب التي تمر بها البلاد حاليا، عن نماذج مشرفة داخل هذه المؤسسة ( مؤسسة البصر بالسودان ) عن قيادات وموظفين، واصلوا أداء واجبهم رغم التحديات الأمنية، وأثبتت أن العمل المؤسسي المنظم هو طوق النجاة في زمن الانهيارات، لكنّ المسؤولية الأكبر لا تتوقف عند تجاوز الحرب، بل تبدأ بعدها، فالتخطيط للمستقبل هو الخطوة التي تميّز بين مؤسسات تُدير الأزمة، وتلك التي تبني الأمل، وهنا يظهر دور المؤسسة في إعادة تقييم الأداء خلال فترة الحرب لاستخلاص الدروس، وبناء خطط استراتيجية قابلة للتنفيذ في واقع ما بعد الحرب، بجانب تعزيز الاستثمار في الموارد البشرية، فهم رأس المال الحقيقي لأي نهضة، ويمكن القول بإن المؤسسة التي تفكر في المستقبل، وتخطط له بوعي، لا تنتظر نهاية الأزمة لتبدأ، بل تجعل من المحنة منحة وفرصة لبداية جديدة، فمن رحم الحرب تولد الإرادة، ومن بين الركام، تنبثق الرؤية.* وقد لعبت القيادة الرشيدة دورا محوريا في نجاح واستقرار المؤسسة، خاصة في أوقات الأزمات والتحديات الكبرى. فالقائد الرشيد لا يكتفي بإصدار الأوامر، بل يملك رؤية واضحة، وحكمة في اتخاذ القرار، وقدرة على استشراف المستقبل.* القيادة الرشيدة تتسم بالشفافية، والعدل، واحترام الكفاءات، وتضع مصلحة المؤسسة فوق المصالح الشخصية. فهي من تزرع الثقة داخل بيئة العمل، وتبني جسور التواصل بين الإدارات والموظفين، وتخلق مناخا من التعاون والانتماء، وقد أثبتت التجارب أن المؤسسات التي يقودها أشخاص يمتلكون رؤية ومهارة وخبرة، تكون أكثر قدرة على تجاوز الصعاب، وتحقيق التقدم، واستدامة التطوير، فالقائد الناجح هو من يحوّل التحديات إلى فرص، وينهض بالمؤسسة من حالة الركود إلى التميز، وفي زمن الحرب أو الأوضاع الاقتصادية الصعبة، تبرز أهمية القيادة الرشيدة أكثر من أي وقت مضى، إذ تصبح القرارات المصيرية مرتبطة ببعد نظر القائد، وحكمته في الموازنة بين الإمكانيات والطموحات، لذلك فإن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة هو في قيادتها، فكلما كانت القيادة راشدة، كانت المؤسسة أقرب إلى النجاح، وأقدر على بناء مستقبل واعد، وفي عالم سريع التغير، لم تعد المؤسسات قادرة على الاستمرار والنجاح دون تخطيط مستقبلي واضح ومدروس، فالتخطيط للمستقبل هو حجر الزاوية لأي مؤسسة تطمح إلى الاستدامة والتطور، والتخطيط لا يعني فقط توقع ما هو قادم، بل الاستعداد له، ووضع السيناريوهات المختلفة للتعامل مع المتغيرات المحتملة. وهو ما يتطلب قيادة واعية، وفرق عمل مدربة، وبيئة مؤسسية مرنة قادرة على التكيف والابتكار، ولقد أثبتت الحروب الدائرة الآن أن المؤسسات التي تملك خططا استراتيجية واضحة، كانت الأسرع في التعافي، والأكثر قدرة على الاستمرار في أداء مهامها. أما تلك التي افتقرت للتخطيط، فقد تعثرت وأصبحت نسيا منسيا.* فالتخطيط للمستقبل في المؤسسات يشمل عدة جوانب: تطوير الكوادر، تحسين بيئة العمل، تحديث الأنظمة، دراسة الاحتياجات، وبناء شراكات استراتيجية. كما يشمل الاستثمار في التقنية، وتعزيز ثقافة الجودة والتقييم المستمر؛والمؤسسات الناجحة لا تنتظر الظروف المثالية لتخطط، بل تبني خططها وسط التحديات، وتحوّل الأزمة إلى فرصة. فهي تدرك أن البقاء للأذكى، والأسرع، والأكثر استعدادا.* إن المؤسسات التي رسمت رؤيتها المستقبلية، ستقود غدا مسيرة التنمية. فالمستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالتخطيط والعمل والبصيرة، والتخطيط كأداة لإدارة المخاطر في بيئات غير مستقرة، يكون فيه التخطيط المستقبلي وسيلة لتقليل المفاجات، من خلال تحليل المخاطر، ووضع خطط بديلة، تكون المؤسسة جاهزة لأي طارئ دون أن تتوقف أو تنهار، وباتت الأدوات الرقمية جزءا لا يتجزأ من عملية التخطيط، سواء عبر تحليل البيانات أو التنبؤ الاتجاهات، والمؤسسات التي توظف التكنولوجيا في خططها تُحقق كفاءة أعلى وقرارات أكثر دقة.* كما أن المؤسسات العاملة في بيئات قبل وأثناء وما بعد النزاع تلعب دورا محوريا في إعادة البناء والتخطيط، وهنا يشمل إعادة هيكلة الخدمات، ورفع كفاءة العاملين، وبناء الثقة مع المجتمع. وهي خطوات تتطلب وقتا، وصبرا، ورؤية، بجانب أن المؤسسات الحديثة لا تخطط فقط لنموها، بل لأثرها على البيئة والمجتمع، وإدخال مفاهيم الاستدامة في الخطط المستقبلية يضمن تنمية متوازنة ومسؤولة.* والتخطيط الجيد ( لاستشراف المستقبل) لا يقتصر على البنى التحتية أو التكنولوجيا، بل يبدأ ببناء الإنسان، فهي – أي المؤسسات – تستثمر في التدريب المستمر، وتطوير المهارات القيادية والفنية، وتضمن استمراريتها وكفاءتها في المستقبل، ولابد من قياس الأداء ومراجعة الخطط: فالخطة بلا متابعة قد تصبح عبء. لذلك من الضروري أن تضع المؤسسات مؤشرات أداء واضحة، وتراجعها دورياً للتأكد من أنها على المسار الصحيح، لتعديل المسارات عند الحاجة. * وفي زمن الاستقرار لابد من التخطيط لما يمكن أن تواجهه المؤسسة في زمن الأزمات، ويعد التخطيط للأزمات والكوارث جزءا أساسيا من جاهزية أي مؤسسة للمستقبل، كما يجب أن يتحول التخطيط من كونه مهمة إدارية إلى ثقافة عامة يشارك فيها الجميع. فكل موظف يجب أن يعرف دوره في تحقيق رؤية المؤسسة المستقبلية، ولا تنجح المؤسسات بمعزل عن محيطها، لذلك فإن إشراك المجتمع المحلي، والمستفيدين من خدماتها، في وضع الأهداف والاستماع لاحتياجاتهم، يجعل التخطيط أكثر واقعية واستدامة.

إرسال التعليق