مؤسسة البصر بالسودان .. هل تمتلك قيادة رشيدة؟

د. خالد يوسف بكري

خلال الثلاثين سنة الماضية، انهارت العديد من المؤسسات والمصانع والشركات نتيجة توقف الإنتاج أو صعوبة الوصول إلى الموارد، كما توقفت شركات كبرى عن العمل بسبب تدهور البنية التحتية وانعدام الأمن والاستقرار، وشرد آلاف الموظفين والعاملين الذين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.* أما في ظل الحرب الدائرة حاليا، فقد عرفت البلاد واحدة من أقسى الأزمات التي مرت بها منذ الاستقلال. فمع اشتداد القتال وتوسّع رقعة الدمار، انهارت العديد من المؤسسات والشركات التي كانت تُشكّل عصب الاقتصاد الوطني، وتوقفت عجلة الإنتاج، وتبددت فرص العمل، وشرد آلاف الموظفين والعاملين.* لم يكن تأثير هذه الكارثة الاقتصادية محصورا في الجانب المادي فحسب، بل تعداه إلى الأثرين الاجتماعي والنفسي، حيث وجدت كثير من الأسر نفسها بلا معيل، وفقدت الطبقة المتوسطة قوتها، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة بشكل مقلق.* إن الانهيار الذي أصاب المؤسسات لم يكن بسبب الحرب فقط، بل جاء نتيجة تراكمات طويلة من السياسات الضعيفة، وانعدام الرؤية الاستراتيجية، وغياب التخطيط السليم. ومع مرور الوقت، تراكمت الأخطاء، وتعمقت الفجوة بين القيادة والواقع الميداني، وتراجعت قدرة كثير من المؤسسات على التكيف مع التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وإن ما نشهده اليوم من شلل في بعض القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني هو نتاج طبيعي لسنوات من الإهمال وسوء الإدارة.* ولم يكن الانهيار بسبب القصف والتدمير وحدهما، بل نتيجة غياب الاستقرار، وانقطاع الإمدادات، وتهالك البنية التحتية، وهروب الاستثمارات، وتوقف حركة التصدير والاستيراد. كما أغلقت كثير من المصانع الكبرى، التي كانت تساهم في الإنتاج المحلي والتصدير، أبوابها، وتحولت مقراتها إلى أطلال.* وشهدت البلاد هجرة واسعة للكوادر المؤهلة، ممن فقدوا الأمل في الاستقرار الوظيفي والمعيشي داخل الوطن.* وفي مقابل هذه الانهيارات، كانت هنالك ( إنجازات) لمؤسسة البصر في السودان، تمثلت في إنشاء مجموعة من المستشفيات والعيادات التخصصية المتكاملة لطب وجراحة العيون، التي أصبحت مراكز مرجعية لعلاج أمراض العيون المعقدة وتخفيف معاناة المرضى.* ومن أهم هذه الخدمات: الفحص، والعلاج، وإجراء العمليات الجراحية الدقيقة، كما ساهمت المؤسسة في توطين خدمات طب العيون داخل السودان، حتى تحت وطأة الحرب، وعملت على نقل الخبرات والتقانات الطبية الحديثة إلى الداخل، مما جعل السودان من أوائل الدول التي توفرت فيها خدمات متقدمة، بعدما كان المرضى يُضطرون للسفر إلى الخارج لإجرائها.* كذلك أسهمت المؤسسة في تدريب الكوادر الطبية السودانية، وإيفاد الأطباء للمشاركة في مؤتمرات وورش عمل عالمية في طب العيون، في ظل حرب ضروس دخلت عامها الثالث.* وتحت وطاة الحرب وخلال الثلاثين سنة الماضية، لم تقتصر إنجازات مؤسسة البصر على الصعيد المحلي فحسب، بل نالت المؤسسة عدة جوائز وشهادات تقدير دولية، من بينها: نوط الواجب من الدرجة الأولى تقديرًا لجهودها في السودان، وشهادة تقدير من منظمة الصحة العالمية لدورها في مكافحة العمى وتقديم الرعاية الطبية، وجائزة الأمير محمد بن فهد لأعمال البر الخيرية، إضافة إلى شهادات تقدير من وزارة الصحة السودانية.* وعن إسهامات المؤسسة في دعم النظام الصحي، وتقديم التدريب والمخيمات العلاجية المجانية، فقد حصدت جوائز من منظمات دولية وإقليمية، مثل الوكالة الدولية لمكافحة العمى (IAPB)، ومنظمات الخليج، والهلال الأحمر التركي، تقديرا لجهودها في برامج مكافحة العمى، كما نالت تكريمات من جامعات ومؤسسات أكاديمية لمشاركتها في دعم التعليم الطبي وتدريب الكوادر السودانية في تخصصات طب العيون، إلى جانب درع التميز من منظمات المجتمع المدني لدورها في تخفيف معاناة المرضى، خاصة خلال الأزمات والنزاعات، وشهادات شكر وعرفان من المجتمعات المحلية بعد إنجاح حملات ومخيمات علاجية أُجريت في مناطق نائية وخارج نطاق التغطية الصحية.* إن هذه الجوائز والتكريمات تُجسّد ثقة المجتمع السوداني ومؤسساته في مؤسسة البصر، وتؤكد ريادتها كجهة إنسانية لا تزال تُعطي رغم التحديات.* وتُظهر الأرقام العالمية للمؤسسة أثر عملها في السودان أيضا، إذ لا يزال السودان من أكثر القطاعات نشاطا ضمن شبكة مؤسسة البصر الخيرية العالمية. فمنذ دخولها السودان عام 1993م، ظلت المؤسسة علامة فارقة في العمل الطبي الإنساني، حيث دشنت أولى برامجها عبر المخيمات العلاجية المجانية التي امتدت إلى كل ولايات السودان، لتصبح لاحقا من أكبر الجهات الصحية العاملة في مجال مكافحة العمى ورعاية مرضى العيون.* وأنشأت المؤسسة مشاريع عملاقة في ظروف صعبة، تمثلت في مستشفيات مكة لطب وجراحة العيون، التي ساهمت في توطين العلاج وتقديم خدمات دقيقة مثل جراحات القرنية، والشبكية، والمياه البيضاء، والفحوصات المتقدمة.* ولم يقتصر دورها على العلاج فحسب، بل شمل تدريب الكوادر السودانية من أطباء وفنيين، ونقل التكنولوجيا الحديثة، مما جعل السودان في طليعة الدول الإفريقية في تخصصات طب العيون الدقيقة.* ورغم الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، واصلت المؤسسة عطاؤها، وظلت مستشفيات مكة تقدم خدماتها للمواطنين بأقل التكاليف، بل وشاركت في دعم برامج وزارة الصحة وبرامج مكافحة العمى.* لذلك تُعد مؤسسة البصر من المؤسسات التي أثبتت امتلاكها قيادة رشيدة، خاصة في ظل الأزمات والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. ويتجلى ذلك في استمرارية العمل والخدمات رغم التحديات، والانتشار الجغرافي المنظم داخل السودان عبر مستشفياتها ومخيماتها المتنقلة، والاستجابة السريعة لحالات الطوارئ والمبادرات الإنسانية، مع التركيز على بناء القدرات المحلية وتدريب الكوادر الطبية، والعمل وفق خطط واضحة للتوسع والتطوير في الخدمات. وكل ذلك يعكس قيادة تتسم بالحكمة، والتخطيط، وحسن إدارة الموارد، مما مكّن المؤسسة من الحفاظ على ثقة الناس وتحقيق أثر واسع في مجال مكافحة العمى ورعاية مرضى العيون.* وحققت هذه القيادة الرشيدة شراكات ذكية، حيث استطاعت المؤسسة بناء علاقات قوية مع وزارة الصحة الاتحادية، والجهات الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، مما عزّز دعمها الفني واللوجستي. كما تمكنت القيادة من التكيّف مع التحديات رغم الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة، فلم تتوقف المؤسسة عن تقديم خدماتها، بل طوّرت نماذج عمل مرنة لضمان استمرارية العيادات والمخيمات. واهتمت بالجودة، حيث أولت أهمية كبيرة للتخصص، مثل توسيع خدمات القرنية، والشبكية، والجلوكوما، إلى جانب التركيز على الإنسان، إذ تقوم فلسفة العمل على أن المريض أولًا. * ويتجلى ذلك في بيئة المستشفيات، والمعاملة الكريمة، والدقة في المواعيد والعلاج، مما يؤكد أن القيادة في مؤسسة البصر لا تعمل بردود الأفعال، بل برؤية واضحة ومسؤولية مجتمعية حقيقية.أسأل الله أن يبارك ويحفظ هذه القيادة، وأن يبارك في جهودها لخدمة البلاد والعباد. اللهم آمين، اللهم آمين.

إرسال التعليق